فقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ ليست الجنسية في الدول الحديثة مجرد وثيقة رسمية تُمنح أو تُسحب بقرار إداري، بل هي التعبير الأعلى عن العلاقة بين الإنسان ووطنه، وعن شعوره بالأمان والانتماء والاعتراف الكامل بوجوده داخل الدولة. وحين تتحول هذه الجنسية إلى أداة ضغط أو عقوبة سياسية، فإن الأمر يتجاوز حدود القانون إلى المساس بجوهر المواطنة نفسها.
وفي البحرين، تبدو الصورة أكثر حساسية وتعقيدًا حين يتقاطع ملف سحب الجنسية مع استهداف شخصيات دينية شيعية تمتلك حضورًا واسعًا في الوجدان الشعبي والمشهد الاجتماعي. فالقضية هنا لا تتعلق بأفراد معزولين أو ملفات إجرائية عابرة، بل تمس شريحة واسعة ترى في هذه المرجعيات امتدادًا لهويتها الدينية والاجتماعية، وصوتًا يعبر عن قلقها وآمالها وموقعها داخل الوطن.
إن أخطر ما في هذا المسار أنه لا يكتفي بمحاصرة الأشخاص، بل يسعى إلى تضييق المجال العام الذي يتحركون فيه، وإضعاف تأثيرهم الرمزي والمعنوي. وحين يُستخدم سحب الجنسية في هذا السياق، فإن الرسالة تصبح أكثر قسوة ووضوحًا: ليس المطلوب فقط إسكات الصوت المختلف، بل دفعه إلى الهامش، وتجريده من أحد أهم معاني الحماية والانتماء.
وخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت في البحرين حملات المداهمات والاعتقالات والملاحقات بحق معارضين ونشطاء وعلماء دين، في مشهد يعكس تشددًا أمنيًا متزايدًا، خصوصًا منذ اندلاع الحرب الأخيرة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وبدا واضحًا أن السلطة تتجه نحو إدارة التوترات الداخلية بمنطق القبضة الأمنية، لا بمنطق المعالجة السياسية أو بناء الثقة المجتمعية.
غير أن التجارب الحديثة أثبتت أن المجتمعات لا تستقر بالقوة وحدها، وأن استهداف الرموز الدينية والاجتماعية لا يؤدي إلى إخماد القلق، بل إلى تعميقه وتوسيعه. فالعلماء في المجتمعات التقليدية ليسوا مجرد شخصيات عامة؛ إنهم جزء من الذاكرة الجماعية، ومن البنية المعنوية التي تمنح الناس شعورهم بالتماسك والاستمرار. ولذلك، فإن المساس بهم يُقرأ شعبيًا بوصفه مساسًا بالجماعة التي يمثلونها، لا بالأشخاص وحدهم.
وما يزيد المشهد خطورة أن تتحول الجنسية -وهي أصل الحماية القانونية- إلى ورقة قابلة للتوظيف السياسي. فالدولة التي تجعل الانتماء الوطني مشروطًا بالولاء الكامل أو الصمت الكامل، تفتح الباب أمام أزمة أعمق من أي خلاف سياسي عابر؛ أزمة تتعلق بثقة المواطن في معنى المواطنة نفسها.
إن الأوطان لا تُبنى بإقصاء مكوناتها الأساسية، ولا بحصار رموزها المؤثرة، ولا بإشعار فئة من المجتمع بأن وجودها المعنوي والسياسي موضع استهداف دائم. بل تُبنى بالعدالة، وبالاعتراف المتبادل، وبحماية الحقوق والحريات بوصفها حقًا أصيلًا لجميع المواطنين، لا امتيازًا يُمنح لفئة ويُنتزع من أخرى.
ولهذا، فإن ما يجري اليوم في البحرين لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد إجراءات أمنية متفرقة، بل باعتباره مؤشرًا مقلقًا على اتساع الفجوة بين السلطة وقطاع واسع من المجتمع. وهي فجوة لا يمكن ردمها بالمزيد من القمع أو سحب الجنسيات أو ملاحقة الأصوات المؤثرة، بل فقط عبر دولة يشعر فيها الجميع أن القانون يحميهم بالتساوي، وأن الانتماء للوطن حق ثابت لا تهزه الاختلافات السياسية ولا التوترات الإقليمية.
عليرضا مکتبدار
رئیس التحریر لأسبوعیة الآفاق
.....................
انتهى / 323
تعليقك